Tahir Albakaa
Historian

التربية والتعليم في العراق واقعهما وسبل النهوض بهما طاهر البكاء تموز 2019

August 25, 2019

 

يعتبر التعليم حقاً أصيلاً للإنسان، لذا اعتبرته الشريعة فريضة واجبة، وكذا تضمنته لائحة حقوق الإنسان، وكفله الدستور العراقي الدائم 2005، فقد نصت المادة 34 منه واعتبرته عاملاً أساسياً لتقدم المجتمع، وهو حقٌ تكفله الدولة، وفرض الدستور إلزاميته في المرحلة الابتدائية، ومجانيته في مختلف المراحل الأخرى "[1]".

من المعلوم أن التربية والتعليم منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة 1921 مرتا بمراحل عدة، ففي العهد الملكي 1921 – 1958 كانتا في بداية التأسيس تسيران ببطء، ومحدودتي الانتشار، إذ تركزتا في المدن الرئيسية والتحق بهما أبناء الطبقات العليا وجزء من أبناء الطبقة المتوسطة، وحرم منهما غالبية أبناء المدن الأخرى وكل أبناء الأرياف، مع هذا فقد كانتا تنموان على أسس علمية حديثة، بعيدتين عن التأثيرات السياسية والحزبية بشكل يكاد يكون مطلقاً.

أحدثت "ثورة" 14 تموز 1958 التي أسقطت النظام الملكي وأقامت على أنقاضه النظام الجمهوري انقلاباً عاماً في المجتمع وعلى كافة الأصعدة، ففي مجال التربية والتعليم وفر النظام الجمهوري فرصاً واسعة لأبناء المدن للالتحاق بالمدارس وتوسعت تلك الفرص إلى الأرياف وإن لم تشمل الريف العراقي كله، إلا أنه يعد توسعاً كبيراً جداً.

وبعد 1958 ألقى الصراع بين الأحزاب السياسية بظلاله وضلاله على العملية التعليمية فلم تسلم المدارس والكليات منه، ولم تزل هذه الآفة المرضية مستمرة إلى يومنا هذا.

لا بد من القول إن المدة الذهبية التي شهدها قطاعا التربية والتعليم هي سبعينيات القرن الماضي، وذلك إثر صدور قانون مجانية التعليم رقم 118، الذي صدر في 22 أيلول 1976، ونشر في 11 أكتوبر، واعتبر نافذاً من تاريخه.

يشمل مستوى التعليم الابتدائي، الذي يعد الحلقة الأساسية من حلقات العملية التربوية، الأطفال من عمر 6 – 12 سنة, وهو يتكون من 6 مراحل دراسية، وقد شهد خلال مرحلة السبعينات تطورا كبيرا، عندما وسعت الحكومة العراقية في تلك المرحلة عدد المدارس، وأعلنت مجانية التعليم، الذي أدى حسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لعام 1973 إلى انخفاض معدل التسرب في التعليم الابتدائي إلى5% بين الصف الأول والخامس الابتدائي، وكان هذا أوطأ معدلات تسرب في الدول النامية "[2]".

فرض قانون التعليم الإلزامي رقم (118) لسنة 1976 على كل عائلة عراقية قانونيا تسجيل أبنائها وبناتها حين بلوغهم السادسة من العمر في المدارس الابتدائية، وبعكسه تتعرض العائلة إلى مساءلة قانونية، منها السجن والغرامة المالية"[3]"، وطبق القانون في جميع أنحاء العراق ابتداءً من العام الدراسي 1978 – 1979، وحسب تقرير اليونسكو امتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى 1980، نظاما تعليميا يعد من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة، قدرت نسبة المسجلين بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100%. إذ بلغت حصة التمويل التربوي 6% من الناتج القومي و 18% من الموازنة العامة للدولة"[4]".

لم يستمر هذا التطور طويلا، إذ أدت الحرب العراقية الإيرانية إلى ضعف المتابعة لتطبيق قانون إلزامية التعليم رغم نفاذه وعدم إلغائه، الأمر الذي أدى إلى تسرب أعداد كبيرة من الطلبة وعدم إكمال دراستهم الابتدائية.

تعرض التعليم الابتدائي إلى نكسة أُخرى جراء الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق إثر غزو الكويت 1990، واستمر ذلك التدهور حتى 2003, وبدلاً من أن يتقدم التعليم بعد 2003 وإلى يومنا هذا، فإن اضطراب الأوضاع السياسية، نتيجة لسياسة المحاصصة المذهبية والقومية، وهيمنة الأحزاب الدينية على الإدارات التعليمية، وانتشار ظواهر الفساد المالي والإداري في مفاصل الدولة عموما، أدت إلى مرحلة يمكن وصفها بـ" الفوضوية"، ورغم أن قوانين مجانية التعليم وإلزاميته لم تتغير إلا أن متابعة تطبيقها ضعفت بشكل كبير، فأصبح التسرب ظاهرة ملموسة، واتسعت بشكل كبير بسبب نزوح ملايين المواطنين عن مدنهم نتيجة للحروب الداخلية، وبعد سيطرة "داعش" على مدن عراقية رئيسية حزيران 2014، الأمر الذي دفع منظمة اليونسكو لبناء مدارس مؤقتة، في مخيمات النازحين، إلا أنها لم تكن كافية، ولا تلبي حاجة أبناء ملايين النازحين، الأمر الذي أدى إلى ظهور الأمية الأبجدية بين جيل الشباب.

أما على المستوى الجامعي والدراسات العليا، فقد تميزت هذه المرحلة بهيمنة أحزاب الإسلام السياسي على مقاليد التعليم، واعتماد سياسة الكم على حساب النوع، والتدخل في سياسة القبول، الأمر الذي أدى إلى تدنٍ ملموس بالمستوى العلمي. وهذا يحتاج إلى جهود وأموال كثيرة وسنوات طويلة لإصلاحه"[5]".

لما كان التعليم حقا أصيلا للإنسان، ولما كانت التربية هي أداة رئيسة لنهضة الأمم وتقدمها، وإحياء التراث وتجديد الثقافة ونشرها وإرساء أسس المعرفة العلمية والتقنية والأخذ بأسباب التقدم وتحقيق التنمية الشاملة والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، وبعد هذا العرض التاريخي الموجز، ما هي السبل للنهوض بالتربية والتعليم؟ ومن أجل أن تكون الصورة واضحة ارتأيت أن أقسم الموضوع إلى أقسام حسب المراحل الدراسية.

 

  1. التعليم الأساسي: (رياض أطفال، ابتدائي، ومتوسط)

يجب أن يكون التعليم الابتدائي الحد الأدنى الذي لا يستغنى عنه للإنسان، ويجسد المضمون المنطقي لمبدأ تكافؤ الفرص في مرحلة الطفولة باعتبارها الأساس لنمو الشخصية الإنسانية وتطويرها، ولتنشئة المواطن عضوا نافعا في أسرته وعاملا منتجا في المجتمع، ومواطنا صالحا ولدعم التطور الاجتماعي للمرأة – وبخاصة في الريف -، ولقطع رافد الأمية الأساس وحصر دفعات الأميين وسهولة التغلب عليها، ولما كان كثير من أطفالنا ظلوا محرومين من ذلك الحد الأدنى خلال السنوات الماضية"[6]"، لأسباب أمنية وفشل حكومي بارز في هذا المجال، الأمر الذي أشار له التقرير الثاني للسيد وزير الصحة الأخ الدكتور علاء العلوان الذي قال إن نسبة التسرب بلغت 50%"[7]" وهذا أمر مرعب لا بد أن تدق نواقيس الخطر منه، لذا يقتضي العمل على تحقيق ما يلي:

  • يجب إبعاد وزارتي التربية والتعليم العالي والبحث العلمي عن المحاصصة السياسية اللعينة، وإسنادهما إلى وزراء تربويين مهنيين مارسوا التدريس وتدرجوا في سلم الوزارتين، أي أن يكونوا من أبناء تلك الوزارتين.

  • التقيد التام والصارم بتطبيق قانون إلزامية التعليم رقم (118) لسنة 1976، الذي فرض على كل عائلة عراقية قانونيا تسجيل أبنائها وبناتها حين بلوغهم السادسة من العمر في المدارس الابتدائية، وبعكسه تتعرض العائلة إلى مساءلة قانونية وعقوبات منها السجن والغرامة المالية"[8]".

  • تخصيص نسبة لا تقل عن 20% من واردات البلد للتربية والتعليم.

  • القيام بحملة وطنية شاملة لبناء آلاف الأبنية المدرسية الحديثة للتخلص من الأبنية الطينية والقديمة المتهالكة ولفك الازدواجية في إشغال بناية واحدة لأكثر من مدرسة.

  • إعادة النظر بالمناهج الدراسية الحالية وحذف ما أضيف عليها في السنوات الأخيرة من مواضيع تثير التفرقة المجتمعية دينياً ومذهبياً وعرقياً. واعتماد مناهج علمية حديثة، تنبذ التلقين وتعتمد تنمية وتطوير المهارات الفردية للنشء الجديد.

  • إعداد برامج لإعادة تأهيل المعلمين والمدرسين الحاليين، بشكل تدريجي، والعمل على الارتقاء ببرامج كليات المعلمين علمياً والاهتمام بشكل خاص في طرائق التدريس.

  • رفع المستوى المعيشي للمعلمين بما يجعل مهنة التعليم هدفاً يسعى إليه كل الخريجين.

  • ضرورة التوسع بشكل خاص في نشر رياض الأطفال، إذ لا بد من أن يتم رعاية الطفولة بشكل مبكر وعدم ترك الطفل عرضة لتأثرات اجتماعية سلبية.

  • لابد من إعداد برامج ومعلمين متخصصين لتعليم ورعاية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

  • أرى، في مرحلة لاحقة، اعتبار الدراسة المتوسطة من ضمن مرحلة التعليم الأساسي، بحيث تكون هذه المرحلة "الأساسية" تسع سنوات وتكون إلزامية ومجانية.

  • نظراً لافتتاح عدد غير قليل من المدارس الأهلية، وبما أن البلد يتجه إلى اقتصاد السوق الحر، فلا بد من مراقبة هذه المدارس بشكل صارم من حيث أبنيتها، ومعلميها، وإدارتها، والمستثمرين فيها كي لا تتحول إلى دكاكين تستغل حاجة الأهالي لتعليم أبنائهم.

  • ومن أجل القضاء على ظاهرة العداء للملكية العامة المتأصلة في نفوس أغلب العراقيين، ولإعداد جيل جديد ينظر بإيجابية لتلك الملكية وكأنها ملكيته وتعنيه شخصياً، لا بد من اتباع سلوك تربوي غير مباشر، بعيداً عن فرض الأوامر بالقوة التي لا يمكن أن ترسخ كسلوك لا إرادي، لذا لا بد من أن تخصص لكل طالب رحلة خاصة به في كل مرحلة دراسية، لا يجلس عليها أي طالب في حالة غياب صاحبها، ويطلب من الطالب الاعتناء برحلته وكأنها ملكيته، يتنافس في المحافظة عليها وإدامتها، ويكرم ويشجع أحسنهم أسبوعياً، وبذلك تتم زراعة حب الملكية العامة في نفوس النشء الجديد، ونقضي على ظاهرة العداء لتلك الملكية.

 

  1. التعليم الثانوي:

كانت سبعينات القرن الماضي فترته ذهبية للتعليم الثانوي أيضا، فعلى الرغم من عدم إلزاميته رسميا، إلا أن مجانيته وانتشار المدارس الثانوية في كل المدن صغيرها وكبيرها، وازدهار الحياة الاقتصادية وارتفاع الروح المعنوية للطلاب والمدرسين، أدى إلى نمو كمي ونوعي كبيرين، لكن الأمر لم يستمر طويلاً مع نشوب الحرب العراقية الإيرانية ومن ثم الحصار ولاحقاً الفترة الحالية التي أدت إلى عدم التحاق أعداد هائلة من خريجي الدراسة الابتدائية بالمراحل الدراسية اللاحقة، كما مؤشر أعلاه في تقرير الدكتور علاء العلوان وزير الصحة"[9]". وعليه لا بد من العمل على ما يلي:

  • أن تشمل الحملة الوطنية لبناء المدارس المشار إليها أعلاه بناء مدارس ثانوية حديثة متطورة تلبي وتستوعب الراغبين بإكمال دراستهم الثانوية من خريجي التعليم الأساسي.

  • إعادة النظر بالمناهج الدراسية، وحذف ما أضيف إليها من مواضيع تفرق ولا توحد، وخاصة مادة التاريخ.

  • الاهتمام بإعداد مدرس الثانوية، وإعداد برامج لتطوير وتأهيل المدرسين الحاليين وتدريبهم على أساليب التدريس الحديث.

  • إلغاء فرع الدراسة الإحيائية.

  • التوسع بالمدارس الثانوية المهنية زراعية، تجارية، صناعية، فنون منزلية.

  • إعادة النظر ببداية ونهاية السنة الدراسية التقويمية بما يراعي الظروف المناخية للبلد.

 

  1. الدراسة ما بعد الثانوية:

تعد الدراسة ما بعد الثانوية، مع ضرورتها، دراسة اختيارية للراغبين فيها، في كل بلدان العالم، مع أنها ترفد البلد بالاختصاصات المطلوبة وفي مختلف المجالات، لكن المشكلة الأساسية التي عانت منها الجامعات العراقية هي أن القبول فيها يخضع إلى ضغوط وتلقبات سياسية، فطالما يُفرض على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قراراً سياسياً باستيعاب كل مخرجات الدراسة الثانوية، وهذا فيه انعدام للتخطيط وهدر كبير للأموال، لذا لا بد أن تُعتمد سياسة قبول مبنية على تخطيط مستقبلي رقمي، يضع في أولويته تلبية حاجة البلد في كل الاختصاصات.

شهد التعليم الجامعي في العراق بعد 2005 انفلاتاً فوضوياً في سياسية القبول والتوسع العمودي والأفقي، انعدم فيهما التخطيط والرؤية المستقبلية، تولى قيادة الوزارة وزراء من أحزاب الإسلام السياسي، بعيدين كل البعد عن الوزارة، فحولوها وأغلب مفاصلها إلى حدائق خلفية لأحزابهم، فتم قيادة الوزارة ومؤسساتها الجامعية بنفس فردي طغت عليه سياسة وزير لا فلسفة وزارة"[10]". وجرى تغيير مستمر في القيادات الجامعية والكليات، وفق توجهات الوزير الحزبية، لفرض الموالين لحزبه والمؤيدين له في مواقع علمية متقدمة، رغم عدم أهلية كثير منهم علمياً. وجرى توسع عشوائي في تأسيس جامعات وكليات جديدة، من غير أن تتوفر لها أبسط المستلزمات من أبنية وكادر تدريسي ومختبرات، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم تأسيس عشر جامعات حكومية في سنة واحدة 2014، وألغيت هيئة المعاهد الفنية، التي تتولى إعداد الكوادر الوسطية في كل المجالات الهندسية والطبية والفنية وغيرها. فضلاً عن هذا لم تستطع الوزارة السيطرة على جموح القادة السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال الذين أسسوا كليات وجامعات أهلية هي الأخرى لا تتوفر في أغلبها المواصفات الأكاديمية بحدودها الدنيا، حتى أن بعضها أصبح مقصداً لكل طامح بشهادة جامعية، دون أن يكلف نفسه عناء الدراسة وأداء الامتحانات"[11]". لذا من الواجب اتخاذ الإجراءات التالية لوقف حالة التدهور في الجامعات والانطلاق بها إلى الأمام وكما يلي:

  • إبعاد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن المحاصصة اللعينة، وإسنادها إلى أستاذ متخصص سبق أن تولى مناصب جامعية، مشهود له بالنزاهة والمقدرة العلمية.

  • العمل على منح الجامعات استقلالية حقيقية مالياً وإدارياً"[12]" وصولاً لإلغاء الوزارة والاستعاضة عنها بمجلس التعليم العالي والبحث العلمي.

  • إعادة النظر بسياسة القبول في الجامعات، بالتخلي عن القرارات السياسية التي تفرض قبول كل خريجي الثانويات، واعتماد نظام قبول مبني على تخطيط مستقبلي يلبي حاجة البلد للتخصصات المختلفة.

  • التركيز في القبول على تلبية حاجة البلد للكوادر الوسطية، وذلك بتوسيع القبول في المعاهد الفنية.

  • إلغاء النظام السنوي واعتماد نظام المقررات، وذلك للتخلص من مشاكل مثل سنة عدم رسوب وغيرها.

  • إيلاء موضوع تمكين جميع خريجي الجامعات إجادة لغة أجنبية وبشكل خاص اللغة الانكليزية اهتماما خاصا.

  • العمل على إعادة تأهيل وتدريب الكوادر الجامعية الذين لم تتح لهم فرصة الاطلاع على التقدم الحاصل في الجامعات الأجنبية، وذلك بإيفادهم في دورات أو برامج تبادل أساتذة مع جامعات رصينة.

  • الاهتمام بالبيئة الجامعية وتوفير احتياجات الجامعات العلمية والفنية والترفيهية.

  • منع أي نشاط سياسي أو ديني داخل الجامعات، واعتبار ذلك من المحرمات داخل الحرم الجامعي.

  • حصر نشاط المنظمة الطلابية بمتابعة شؤون ونشاطات الطلبة الرياضية والفنية حصراً، دون التدخل في الشؤون العلمية.

 


4- الدراسات العليا:

تعد الدراسات العليا المحطة الأكاديمية الأخيرة في سلم التحصيل العلمي الجامعي، لكنها ليست آخر المحطات في البحث العلمي، إذ تعقبها مراحل التطبيق وتطوير الخبرات ميدانيا أو عن طريق البحث، لذا فإن الدول المتقدمة والجامعات الرصينة ترصد مبالغ طائلة لحقلي الدراسات النظرية والتطبيقة، ونراها تستقطب الطلبة والباحثين المتميزين من مختلف أنحاء العالم، وتوفر لهم سبل البحث العلمي، لترتقي بهم وببحوثهم، ويرتقوا من خلالها والفرص الثمينة التي توفرت لهم.

أقول هذا وقد هالني ما قرأت في التقرير السنوي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 2014، عن التوسع المهول في الدراسات العليا، وفي كل المستويات والحقول العلمية، وقد ذكرها معدو التقرير مفاخرين ومتباهيين. في حين أن الأرقام تدعو إلى عكس ذلك، بل تبعث على الحزن والقلق"[13]".

من أجل النهوض بمستوى الأستاذ الجامعي العراقي، أعادت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي 2004 – 2005 خلال فترة حكم حكومة الدكتور أياد علاوي، فتح برنامج البعثات، وفي الوقت ذاته وبهدف تقوية وترصين ورفع مستوى مخرجات الجامعات العراقية تم إيقاف برامج الدرسات العليا في 153 قسماً وحقلاً علمياً لعدم توفر الشروط العلمية"[14]".

لم تستمر السياسة التي رسمتها الوزارة في 2004 – 2005 طويلا، إذ تولى وزراء متحزبون مقاليدها بعد 2006، وفتحوا باب القبول في الدراسات العليا بشكل واسع، وخاصة في مدة استيزار السيد علي الأديب 2010 – 2014، من غير أن يأخذوا بنظر الاعتبار حاجة البلد والجامعات للاختصاصات العليا، وتوفر الشروط اللازمة لفتح دراسات عليا في عدد كبير من الأقسام العلمية، واستحدثوا عدة قنوات للقبول، لم تكن مألوفة من قبل، مثل قناة السجناء السياسيين، وقناة ذوي الشهداء، وقناة النفقة الخاصة، وبموجب هذه القنوات جرى قبول أعدادٍ كبيرة، قسم غير قليل منهم غير مؤهلين أكاديميا للدراسات العليا، كل ذلك جرى لأسباب سياسية ضيقة، أو لمجاملات شخصية. حتى لم يجد آلاف من حملة شهادتي الدكتوراه والماجستير فرصا للتعين، فنظموا بين الحين والآخر تظاهرات أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مع هذا لم تتوقف الوزارة عن التوسع الفوضوي في الدراسات العليا.

ولمواجهة هذه الحالة المرضية لا بد من العمل على ما يلي:

  • إيقاف القبول في أغلب برامج الدراسات العليا في الأقسام العلمية التي لا تتوافر فيها المقومات الأكاديمية للدراسات العليا.

  • إلغاء القنوات غير العلمية للقبول في الدراسات العليا، باعتماد المؤهلات العلمية حصراً، مقرونةً بامتحان قبول للمتقدمين.

  • اشتراط تمكن المتقدم من لغة أجنبية وبشكل خاص الإنكليزية.

 

محو الأمية:

صدر قانون محو الأمية رقم (153) لسنة 1971، الذي أجبر كل عراقي من الذكور والإناث بين عمر 15 – 45 سنة أن يتعلم القراءة والكتابة، وقد حقق هذا البرنامج نجاحا كبيرا إذ انخفضت نسبة الأمية إلى10% بعد أن كانت في عام 1968 حوالي 71%، ولضمان عدم ارتداد الدارسين وإيصالهم إلى مستوى يوازي المرحلة الابتدائية تم تأسيس المدارس الشعبية في نيسان 1974، الأمر الذي جعل منظمة اليونسكو تعتبر العراق رائدا في هذا المضمار، ومنحه خمس جوائز تقديرية"[15]". وقد واصل عدد من الملتحقين بمراكز محو الأمية دراستهم وأنهى عدد كبير منهم الجامعية منها.

من المؤسف أن هذا البرنامج شهد تراجعاً تدريجياً مع نشوب الحرب مع إيران 1980، ثم ازداد هذا التراجع بوتيرة عالية بتأثير الحصار 1990 إثر الغزو العراقي للكويت، حتى أصبح نسياً منسيا بعد الاحتلال 2003، وتشير آخر الإحصائيات إلى تفشي ظاهرة الأمية بين الشباب بدرجات خطيرة جداً بسبب عدم التحاق كثير من الأطفال في المدارس الابتدائية أو التسرب منها نتيجة لضعف متابعة الدولة وتساهلها في تطبيق قانون إلزامية التعليم. حتى بلغت نسبتها 23% في سنة 2014"[16]"، وهي في تزايد مستمر تقول، حيث بعض التخمينات إنها تجاوزت 50% بين الشباب، وهذه كارثة وطنية.

لذا لا بد من العمل على وضع برامج لمحو الأمية بين الشباب وعدم التساهل في تطبيقه.

في الختام لا بد من القول إنه بصلاح التربية والتعليم والقضاء تصلح الأمم ومستقبل أبنائها، وإهمالهما والتقصير ببنائهما فلا مستقبل للوطن وأبنائه.

 

 

 

 

[1]- ينظر، مجلس النواب العراقي، الدائرة الإعلامية، دستور جمهورية العراق، بغداد، ص 18.

 

[2]- وزارة التربية، تطور التربية في العراق، التقرير الوطني للجمهورية العراقية،  ص

 

[3]- ينظر : قانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976.

 

[4]- علي شديخ الزيدي، النظام التربوي وتقلبات الإقتصاد السياسي في العراق، دراسات نربوية، مجلة علمية محكمة، يصدرها مركز البحوث والدراسات التربوية في وزارة التربية، العدد 23 تموز 2013، ص 43.

 

[5]- للتفصيل ينظر : طاهر البكاء، التعليم في العراق، ص 24، Education in the Arab World, London 2017. P33.

 

[6]- عن مظاهر تخلف التعليم في العراق ينظر : الدكتور محمد الربيعي، مظاهر تخلّف التعليم في العراق؟ وهل يمكن تخطي هذه المظاهر لنتقدم به؟ جريدة المدى في 18 آيار 2019، https://www.almadapaper.net/view.php?cat=218619

 

[7]- د. علاء العلوان، الوضع الصحي في العراق، التحديات وأولويات العمل، ص 1.

 

[8]- ينظر : قانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976.

 

[9]- د. علاء العلوان، المصدر السابق، ص 1.

 

[10]- للتفصيل ينظر، طاهر البكاء، سياسة وزير لا فلسفة وزارة، http://burathanews.com/arabic/news/51401

 

 

[11]- عن الكليات الاهلية ووزارة التعليم العالي ينظر، طاهر البكاء، آراء : الكليات الاهلية ومسؤولية وزارة التعليم العالي، https://aalbakaa.wixsite.com/tahir-albakaa/single-post/2015/10/08/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%8A

 

[12]- عن موضوع استقلالية الجامعات ينظر، طاهر البكاء، استقلالية الجامعات ضرورة وطنية ملحة، https://aalbakaa.wixsite.com/tahir-albakaa/single-post/2017/10/31/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%B6%D8%B1%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%84%D8%AD%D8%A9

 

[13]- للتفصيل عن هذا الموضوع ينظر، طاهر البكاء، الدراسات العليا بين الكم والنوع، https://aalbakaa.wixsite.com/tahir-albakaa/single-post/2016/06/01/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%B9

 

 

[14]- عن هذا الموضوع ينظر : طاهر البكاء، العقل العراقي في محيط مضطرب، بغداد، ص 48.

 

[15]- وزارة التربية، تطور التربية في العراق، التقرير الوطني للجمهورية العراقية،  ص 58.

 

[16]- تقرير الدكتور علاء العلوان، وزير الصحة، مصدر سابق ص 1.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

© 2017 by Tahir Albakaa

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • LinkedIn Social Icon
  • wikipedia-logo_1
This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now