Tahir Albakaa
Historian

هؤلاء زملائي : مضر الملا كما عرفته

October 31, 2017

 

    من عائلة بغدادية عريقة ، تنتسب الى قبيلة الجبور الكريمة ، التي يغطي وجودها العراق العربي من شماله الى جنوبه ، وتتوشح بالوان الطيف العراقي الثقافي والمذهبي الجميل.

    إتخذت عائلة الملا بغداد موطنا وسكنا لها ، وتركز وجودها في منطقة الدورة حيث أملاكهم وبساتينهم الغناء ، فكان بستان بيت الملا يجمعنا أيام الصيف اللاهب ، حيث الماء والفواكة ذات القطوف الدانية ، نقطف منها ما نشاء اثناء سويعات تواجدنا هناك ، غير ان ال الملا لايسمحوا لنا بالخروج دون ان تحمل سياراتنا ما لذَّ وطابَ من الفاكهة والارطاب.

    أصبح أحد بيوت ال الملا في الدورة معلماً وفناراً للدلالة ، وقد عرف الناس بيت "ابو طيارة" لان بناءه إحتوى على طائرة في واجهته العليا.

    أنجبت هذه العائلة الكريمة أعلاما أفذاذا في حقول العلم والسياسة والأعمال الحرة ، فكان منهم الاستاذ المهندس كريم الملا الذي تقلد مناصب سياسية مهمة توزعت من قيادة العمل الطلابي والشبابي الجماهيري الى المناصب الوزارية وتمثيل البلاد في العمل الدبلوماس ، فضلا عن أفاضل آخرين مهم الاستاذ عبد الرحمن ، كان مهندسا في القوة الجوية العراقية، والأستاذ سعد عمل في السلك الدبلوماسي،  والاستاذ الدكتورزهير كان استاذاً في كلية الطب ، والاستاذ الدكتور المهندس خالد كان استاذا جامعيا ومديرا عاما سابق في وزارة التخطيط ، ثم وزارة الحكم المحلي ، والاستاذ حارث ، إهتم بالزراعة ولم يشغل أي وظيفة في الدولة ، والاخ صلاح ، عمل في الخطوط الجوية العراقية ، وإمتلك مكتب سفريات وسياحة، والمرحوم قصي ، ضابطا مغواراً، هو بطل إنقاذ الطائرة العراقية التي إختطفت في 1975 .

    تجمعني بالاخ مضر الملا أشياء كثيرة فنحن من جيل واحد عمرا وننتمي الى مدرسة فكرية واحدة ، وعملنا في الحقل الطلابي الجماهيري معا ، فكنا نكمل بعضنا الاخر ، وقد ترسخت أواصرالعلاقة معه بعد اقترانه بالسيدة الفاضلة رجاء التي حرصت على إقامة أفضل العلاقات بين عائلتينا ، لرحابة صدرها وحسن خلقها وكرم ضيافتها ، مهللة مرحبة مبتسمة بمن يحل عليها ضيفا.

    أختلف مع ابي يعرب في بيئة النشأة والاختصاص العلمي ، فنشأت انا في الناصرية الحبيبة ، ونشئ هو في بغداد المحروسة باذن الله ، وبينما تخصص هو في الحقل العلمي الهندسي تخصصت أنا في الدراسات الانسانية ، لكن بعد المسافة بين النشأتين والتخصصين لم يحولا دون إقامة افضل العلاقات بيننا ، ولم تؤثرعليها عاديات الزمن.

    تخرج الأخ مضر الملا من كلية الهندسة ، جامعة بغداد ، في إختصاص الري، غير أنه قبل تخرجه كان ناشطا طلابيا نقابيا ، ومَثَلَ العراق في عدة مؤتمرات ومحافل عربية ودولية ، وقد زاملته وشاركته في هذا المضمار ، وإشتركنا في عدة مؤتمرات عربية وعالمية.

    ومن الطرائف التي ساهمت بها للتندر على تخصصه العلمي ، مازحين ، ان طلاب معسكر البساط الاخضر تموزعام 1973 وفي آخر يوم من عملهم الذي يستمر اسبوعا واحدا نظموا حفلة فنية ، قدمت فيها كل كلية فعالية فنية إختاروها بأنفسهم ، فعدما صعد طلاب كلية الطب لتقديم فعاليتهم هتف طلاب كلية الطب البيطري مرددين "داونا ونداويكم " ولما حان وقت فريق طلاب كلية الهندسة لتقديم فعاليتة أيضا هتف طلاب الاختصاصات الانسانية هتافا أشاع المرح بين طلاب الكليات الاخرى مرددين "جيبوا حصو للهندسة د يبنون بلوعة" طلب مني الاخ الاستاذ كريم الملا ، راعي الحفل حينها ، ان أقوم لاسكات الطلبة ، نهضت وبدلا من إسكاتهم رددت معهم الشعار نفسه ، ملوحا لهم بيدي على الاستمرار بالهتاف .

   يمتاز الاخ مضر الملا بهدوء الطبع ، رزانة العقل والسلوك ، عمق في التفكير ، شجاعة في الموقف ، لدرجة ان شجاعته كلفته الكثير وسببت له معاناة ، كاد أن يفقد حياته فيها ، لولا اللطف الإلهي .

    لم أجد الاخ ابا يعرب متذمرا يوما ما ، فهو واقعي ، يواجه الامور بهدوء أعصاب الامر الذي لا أتمتع به أنا.

    في زيارتي الأخيرة لعمان ، الاردن ، تموز 2014 حرصت أن أوقتها مع وجوده في عمان ، إذ انه دائم التنقل بينها وبغداد الحبيبة، فأسعدني اللقاء به وبشقيقه العزيز صلاح وبكرمهما الحاتمي.

     تفاجئت أثناء زيارتي بعدد من الاصدقاء القدامى وقد تلوثوا بجرثومة الطائفية المقتيتة ، لكني وجدت أبا يعرب واقفا كالجبل الشامخ متمسكا بهوية عراقية أصيلة ، حرصت على أن التقيه منفردا لتبادل الأراء فوجدته متألقا فكريا ، إستمتعت بآرائه وفكرة النير، فكلما وجهت له سؤال وأشرت الى كتاب أجده قد سبقني بالاطلاع عليه ، مؤيدا او مفندا ما به من آراء.

    ما أحزنني في ذلك اللقاء ان الاخ أبا يعرب نقل لي خبرا مؤسفا جدا ، اذ قال لي  ان نخيل واشجاربستانهم في الدورة قد قضي عليها نتيجة شحة الماء ، وعدم وجود الفلاحين ، الذين كانوا في السابق يأتون من الحلة او كربلاء للعمل فيها.

تحية لاخي أبا يعرب ، وأسال الله أن يديمه صديقا عزيزا ، وان نسعد بلقائه في وقت قريب ، مع محبتي .

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

© 2017 by Tahir Albakaa

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • LinkedIn Social Icon
  • wikipedia-logo_1
This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now