Tahir Albakaa
Historian

انهيار اسعار النفط ، نعمة ام نقمة ؟

January 13, 2015

 

     استخدمت اغلب الدول المنتجة للنفط وارداته لتطوير مصادر دخلها فاعتنت بزراعتها وصناعتها وجعلتهما مصدرين رديفين للثروة  بالاضافة للنفط ، الا العراق لم يفعل ذلك ، إذ حل النفط نقمة على صناعته وزراعته ، فقد كان العراق يصدر كثيرا من المنتجات الزراعية كالرز والسمسم والقمح والتمر ، لكن ما إن اصبح النفط مصدرا رئيسيا للاموال حتى اهملت الزراعة والصناعة ، واصبح الاقتصاد العراقي "ريعيا " ، ورئيس الدولة كشيخ عشيرة يمتلك الاموال ويوزعها ، بل يبذرها ، كيف يشاء .

   أقول ان الارتفاع الكبير لاسعار النفط في السنوات الخمسة الماضية قد اصاب المسؤولين العراقيين بالعمى وجعلهم يتصرفون بارتجال ، فلا تخطيط ، ولا برامج زراعية او صناعية ، وبقى منتسبو المؤسسات الصناعية المنحلة او المعطلة يتقاضون رواتبهم دون ان يقوموا باي عمل ، وتم القضاء حتى على الزراعة بفتح اسواق العراق على منتجات دول الجوار فاستورد العراق منها  الفواكه والخضر بل وحتى اللبن والماء والتمر ايضا. وهكذا تحول النفط من نعمة الى نقمة قاتلة .

بانهيار الزراعة والصناعة اصبحت الوظيفة الحكومية مصدرا وحيدا للرزق ، وبتهور وغرور جرى تعين اعداد كبيرة من الموظفين والتعاقد مع آخرين ، لا لحاجة تلك الدوائر لخدماتهم ، بل لاضافة بطالة مقنعة جديدة الى التي سبقتها ، فتضخم جهاز الدولة ربما اكثر من 400% ، دون انتاجية تدر واردات للخزينة.

اليوم هبط سعر النفط الى 45 دولارا للبرميل في أمريكا ، وغدا ستهبط اسعار نفط الشرق الاوسط ، فهل ستكفي واردات النفط العراقي لتغطية رواتب هذا الكم الهائل من الموظفين ، بالاضافة لتوفير نفقات الحرب على الارهاب ؟.

يتصور الكثير من الناس ان هبوط اسعار النفط ستكون كارثة على العراق ، وهي هكذا بظاهر الامور وبالمدى القصير ، وان الازمة ستطول إن لم تتنبه الحكومة العراقية وتصحوا من نشوة واردات النفط المرتفعة ، الامر الذي نبه له الشاعر الكبير الجواهري سابقا بقوله :

ستبقى طويلا هذه الازمات ..… اذا لم تقصر من عمرها الصدمات
اذا لم ينلها مصلحون بواسل ..…........ جريئون فيما يدعون كفاة

وها هي صدمة انهياراسعار النفط تصيب واردات الحكومة العراقية وتشل قدرتها ، وتعطل برامجها ، وجعلتها عاجزة عن وضع ميزانية سنوية دون عجز كبير جدا ، مما سيجبر الحكومة على الاستدانة من دول او البنك الدولي بارباح ليست قليلة . وبهذا تكون الحكومة العراقية قد تسببت بكارثتين الاولى ، انها خسرت فرصة ارتفاع اسعار النفط ، لاحداث نقلة نوعية في الاقتصاد ، والثانية تكبيل العراق بمديونية جديدة ، بعد ان تخلص من أغلب مديونياته التي سببتها الحروب السابقة .

   لكن هل من الممكن تحويل انهيار اسعار النفط الى نعمة ؟ اقول هذا ممكن اذا استيقظت الحكومة العراقية من سكرتها ، وتخلت عن اسلوب المحاصصة اللعين الذي جلب إناس لاخبرة لهم في الاقتصاد والادارة  فجعلت من طبيب بيطري وزيرا للتجارة ، ومن طبيب بشري وزيرا للمالية ، ومقاتل وزيرا للنقل ، ومن غير تربوي وزيرا للتربية ، والامثلة طويلة جدا. وتعتمد على الكفاءات والخبرات العلمية الوطنية ، وتضع الرجل المناسب في مكانه الطبيعي، وتشجع القطاع الخاص وذلك من خلال تشريع قوانين تحميه وتدفعه للاستثمار ، فتتوفر فرص عمل جديدة ، تجعل المواطن يفضل الوظيفة في القطاع الخاص على نظيرتها الحكومية ، وهذا يتطلب اصدار قوانين تقاعد وضمان جديدة يتساوى فيها موظف القطاع العام والخاص.

أما اذا اصرت الاحزاب الحاكمة على سياساتها التي لا تخدم سوى تلك الاحزاب وكوادرها ، فان الكارثة ستحل على الجميع ، مما سينتج عنها أزمات لا قبل للجميع على تحملها ، وهنا ينطبق عليها قول الجواهري العظيم :
سيبقى طويلا يحمل الشعب مكرها . مساوئ من قد ابقت الفترات
ألم تر ان الشعب جل حقوقه …........ هي اليوم للأفراد ممتلكات
مشت كل جارات العراق طموحة …. سراعا ، وقامت دونه العقبات
ومن عجب أن الذين تكفلوا ...........……. بأنقاذ اهليه هم العثرات

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

© 2017 by Tahir Albakaa

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • LinkedIn Social Icon
  • wikipedia-logo_1
This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now