Tahir Albakaa
Historian

خطة بايدن - فدرلة أم تقسيم ايهما ممكن ؟

July 31, 2007

 

     أثار قرار الكونكرس الأمريكي ، غير الملزم ، في 26 أيلول 2007 بتقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم  ردود فعل متباينة  متناقضة ، ورفض عراقي واسع .

 

      لم يأتي بايدن بجديد ، ففكرة تقسيم العراق مطروحة سابقا ،  سوى انه استطاع أن يحولها إلى قرار ، مما اكسبها زخما ، فهل هي عملية قابلة للتطبيق بأقل كلفة في المال والدماء ؟ أم إن هناك أفضل منها ؟

 

   لابد من الاعتراف انه في ظل الاحتلال الأمريكي 2003 ، وما أعقبه مباشرة من (مناخ  ديمقراطي مشفوع بفوضى لا سيطرة عليها)  فقد أتيح للتنوعات  الإثنية العراقية أن تبرز على السطح بقوة ، وتعبر عن نفسها  بحرية كاملة ، أسهمت السياسة الأمريكية  بشرعنت المحاصصات القومية والطائفية في إعطاء هذه الجماعات الإثنية والمذهبية ، شحنات لم تكن هي أصلاً قادرة على تحمّلها ، وبهذا أصبحت المحاصصات واقع حال، وبخاصة بعد أن أقر الدستور النظام الفدرالي شكلاً للعراق الجديد.

 

التقسيم كحل :-

إن التقسيم ممكن أن يكون حلا لا مفر منه إذا  انعدم الأمل بوجود حلول أخرى ، وإذا كان البلد قابل للتقسيم ، أو انه سيجلب الأمان والاستقرار ، لكن الأمر مختلف تماما في الحالة العراقية ،

يمكن أن يكون التقسيم إلى ثلاث كيانات مذهبية وقومية  بمثابة رصاصة الرحمة على الجسد العراقي  المثخن بالجراح .

 

  إن هذا التقسيم سيؤجج مشاعر الطائفية والعنصرية أكثر مما هي عليها الآن، وسيؤدي إلى صراع دموي مرير وطويل ، يسفر بالتأكيد عن عمليات تهجير قسري، وهي تجري الآن فعلاً، وتكتوي بنارها ألوف العوائل من جميع الأطراف ولا سيما الشيعة والسنة والأكراد والتركمان ، وسيتركز هذا الصراع بدرجة أساسية في البصرة وبغداد و ديالى والحلة وصلاح الدين والموصل وجزء من الانبار، طبقاً لمعايير طائفية محضة  ، يرفضها الناس وفيهم من يمارسها، ويرفضها السياسيون بألسنتهم وتصريحاتهم وفيهم أيضاً من يمارسها، ويفتي رجال الدين بحرمتها وفيهم كذلك من يمارسها.

 

ومن جانب آخر فإن الصراع سيتركز في كركوك وجزء من الموصل وديالى على أسس قومية بين العرب والتركمان من جهة و الكرد من جهة أخرى .

 

إن التقسيم ، يُعدّ فشلاً وهزيمة للمشروع الأمريكي الهادف إلى تغيير واقع الشرق الأوسط ، بنشر الديمقراطية. وستكون له نتائج مدمرة على سمعة وتأثير الولايات المتحدة الأمريكية ، ليس عربيا فحسب بل عالميا ، ولا أبالغ أن أقول انه بداية النهاية لهيبة أمريكا .

 

     كما إن الإصرار على تطبيقه بالقوة ستكون كلفه كبيرة جدا جدا  من الدماء والأموال الأمريكية ، فضلا عن العراقية ، وسيعيق سحب جزء من قواتها ، بل ربما يجرها إلى إرسال المزيد من القوات ، وسيواجه رفضا إقليميا ، بل ستتدخل دول الإقليم ، وتفرض سيطرتها على أجزاء من العراق .خاصة تركيا التي أعلنت صراحة إنها ستحيل كردستان العراق ،  وستتدخل إيران والسعودية أيضا . بعبارة أخرى انه توسونامي ، لا تتوقف أثاره التدميرية على العراق فقط  .

 

       وهذا كله سيؤدي في المرحلة الثانية إلى انتعاش التطرف الديني الراديكالي، مستفيداً من حالة الإحباط التي ستعم المنطقة، مع أنها محبطة أساساً، وسينتشر الإرهاب في الإقليم وغيره ،وستفرض الأحزاب الدينية السنية والشيعية قبضتها ، وعندها لا يجد التيار الليبرالي في أي من الأقاليم فرصة قريبة للنمو.

 

ثانياً: الفدرلة هي الحل :

 

      يمكن أن تكون الفدرالية عاملا لتوحيد العراق مثلما هي في أمريكا وكندا وألمانيا والهند والإمارات العربية المتحدة وغيرها، فيما لو شكلت الأقاليم على أسس إدارية جغرافية وليس على أسس مذهبية طائفية عنصرية، فتكون  كل محافظة إقليم قائم بذاته  أو كل ثلاث محافظات كحد أقصى ، مثلما نص قانون ادراة الدولة المؤقت 2004  ، فيكون الجنوب والوسط ثلاثة أقاليم والغرب إقليما، وتكون كركوك إقليماً قائماً بذاته لخصوصيتها القومية ، وكذا ديالى ، فضلاً عن إقليم بغداد العاصمة الفدرالية و كردستان بطبيعة الحال.

 

إن هذا التقسيم الفدرالي، سيحظى بتأييد العرب السنة بجميع أطيافهم السياسية والدينية ويُدخل الطمأنينة في نفوسهم ، وكذلك التركمان ، ولا شك في أنه سيقضي على هواجس  الشيعة بجميع أطيافهم ، ويريحهم من تخوفات عودة الدكتاتورية ، بل  وينهي إلى الأبد قيام حكم مركزي يمارس العنف السلطوي في الداخل ضد الشعب العراقي، ويوسع مساحات الممارسات الديمقراطية ، وينقلها إلى الأقاليم ، بدلا من تركزها على الحكومة المركزية في بغداد،  ومن جانب آخرلا يثير مخاوف  شتى لدى دول الجوار  أنيا ، بل سيحضى   بدعم من تركيا ، والسعودية ، والدول الأخرى ، ولا تستطيع إيران الاعتراض علية ، بل ربما ستدعمه ،  و سيساعد على  اطلاق عملية تنمية اقتصادية متسارعة ،إذا ما  رافقها سياسة عادلة في توزيع الثروات الطبيعية بين الأقاليم على أساس الكثافة السكانية. عندها سيتوحد العراق فدرالياً ، وستنشأ هوية عراقية وطنية تجمع العراقيين كلهم، عند خط شروع  واحد.

 

إن فدرلة العراق إداريا ، ستسمح للولايات المتحدة بسحب اغلب قواتها من العراق ، و تتخلص من الكلف المالية الباهضة التي تصرف ألان ، وستفتح أبواب الاستثمار الاقتصادي الواسعة أمام الشركات الأمريكية .   

 

ولهذا الأنموذج نتائج إقليمية ايجابية كبيرة، إذ سيكون الأنموذج الفدرالي الديمقراطي العراقي بؤرة إشعاع لشعوب الجوار، وعاملا محرِّكا لها ،  يتحول إلى كرة ثلج تكبر مع تدحرجها الطبيعي ، وحينئذ فقط تتحوّل سياسة أمريكا لإنشاء الديمقراطية في العراق إلى ظاهرة إشعاع تبهر شعوب الإقليم برمته، وتغريها بالديمقراطية والفدرالية وبسياسات الانفتاح على العالم ، وتقضي - في الوقت نفسه- على الأنظمة المركزية، ذلك لأن التجربة العراقية، ستكون المثال النامي المتطور الماثل أمام أنظارهم.

 

       إن هذا النموذج، يتمشى مع الدستور العراقي ، وله مؤيدين كثر داخل البرلمان وخارجه ، وان حجج معارضيه ضعيفة جدا ، ويمكن محاورتهم ، و الأكثر من هذا فانه يحظى بدعم شعبي عراق واسع ،  وسيفتح الطريق واسعاً أمام القوى الليبرالية في العراق من اجل ترسيخ الديمقراطية التي يفتقدها الشرق.

يجري في العراق الآن زرع ، سيكون بعده حصاد من جنسه ، فالمثل يقول: كما تزرع تحصد!!

 

 

 

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

© 2017 by Tahir Albakaa

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • LinkedIn Social Icon
  • wikipedia-logo_1
This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now