Tahir Albakaa
Historian

المرأة في الدستور العراقي الجديد بين الواقع والطموح

July 14, 2005

 

 

الدكتور طاهر البكاء

عضو الجمعية الوطنية

عضو لجنة كتابة الدستور

تموز 2005

 

   بسم الله الرحمن الرحيم

 

       ابتداءً اسجل شكري وتقديري لمنظمتكم  لاهتمامها بشؤون المرأة بشكل عام و العراقية بشكل خاص وتنظيمها هذه الندوة لمناقشة السبل و الخطوات لضمان حقوق المرأة في الدستور العرقي الدائم.

     ولكي نكون دقيقيين و واقعيين يجب علينا ان ندرس الواقع دراسة علمية تاريخية، محللين العوامل الموضوعية المؤثرة على حقوق المرأة و التي لابد ان تجد اثارها في كتابة الدستور العراقي الجديد.

    واذا ما علمنا ان العراق مهد الحضارات وان اول حرف خط كان في العراق و اول قانون شرع فيه،  فان العجب كل العجب يسيطر علينا ان نجد المرأة في دساتيره لم تنل حقها الطبيعي.

  و اذا ما عرفنا ان الديانات و التعاليم السماوية قد كرمت الانسان و وضعته في اعلى المراتب، وان الدين الاسلامي نظم العلاقة بين الرجل والمرأة بشكل يضمن كرامة المرأة و الرجل واعطى للمرأة حقوق ربما غير موجودة في بعض الشرائع و القوانين لتحول تعجبنا الى استغراب بل واستنكار ان نترك الشرائع السمحاء ونتمسك بالعادات والتقاليد وليدة المجتمعات المغلقة مجتمعات البداوة و التخلف.

  ان دراسة متأنية غير منفعلة لمجتمعنا العربي والاسلامي نجد ان هذا المجتمع بحكم العادات والتقاليد هو مجتمع ذكوري سادَ  فيه الرجال على النساء لكن هذه السيادة غير متساوية بل متباينة ومختلفة حد التناقض. فلم يمنع الاسلام المرأة من حق العمل لكنها تمنع في بعض الدول، ولم يمنعها من التمسك بحق الطلاق لكنه  يفرض عليها في بعض الدول بحكم القوانين الوضعية و الاجتهادات غير المنطقية، ولم نجد نصاً يمنعها من قيادة السيارة  لكنها حرمت من ذلك بحكم فقهاء التكفير والغاء الاخر، ولم يفرض الاسلام عليها الحجاب بالشكل الذي يسود في بعض مجتمعاتنا، لكنه فرض عليها بحكم فقهاء الارهاب وسفاحي الدم اعداء التقدم، الذين حرموا على الناس كل الناس من ذكر وانثى سماع الراديو ومشاهدة التلفزيون والاستمتاع بالموسيقى.

  من المؤسف حقاً بل اسفٌ  يصل حد الحزن ان بلادنا بلاد الحضارات والاديان السماوية تشوه مبادئها وتطمس قيمها التي تعطي للمرأة حقوقاً كبيرة وترتب على الرجال السهر على احترام وصيانة تلك الحقوق، ليحل محلها افكاراً وتقاليد وعادات ليس من الحضارة والاسلام بشيء، فعرف العالم عنا وعن مجتمعاتنا ماهو سيءٌ  فينا من وأد المرأة، وختانها، واغتصابها، وجرح مشاعرها، ومنعها عن العمل، واهانتها، والمرأة هنا اي مرأة زوجة كانت ام بنتاً ام اماً او اختاً، في حين يقول الشرع "معاشرة بمعروف اوتسريحُ  باحسان" تصوروا حتى الطلاق يجب ان يكون باحسان واحترام

     هنا يبرز السؤال المهم، هل المعظلة بالتشريعات والشرائع ام بغير ذلك انا اؤكد هنا ان لب المشكلة وجوهرها يكمن في ذلك الافتراق الحاد و الخطير بين المبادئ والممارسة.

واذا اخذنا العراق مثالاً في ذلك نجد ان حكومات العراق المختلفة ملكية كانت ام جمهورية برلمانية ام دكتاتورية اعلنت تمسكها بالشرائع السماوية، ووقعت على لائحة حقوق الانسان التي اصدرتها الجمعية العامة للامم المتحدة في كانون الاول 1948 التي اعترفت للانسان بحقوق سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ومدنية والانسان هنا ذكر كان ام انثى .. وقد وقع العراق الملكي على هذه الوثيقة في حينها.

  كما ان العراق الجمهوري الدكتاتوري وقع على الاتفاقية الدولية الصادرة في كانون الاول 1979 التي نصت على" القضاء على جميع اشكال التميز ضد المرأة" وذلك في ايلول 1981 .

لكن النظام الذي وقع عليها وضع  قيودا فيما بعد على المرأة منها :

1-   اصدار قانون يسمح للرجل بتأديب المرأة.

2-   منعها من السفر بمفردها.

3-   حرمانها من تولي منصب في القضاء كما ورد في قانون المعهد القضائي.

4-   جعلها تحتل المرتبة المتدنية والمتأخرة في السلم العائلي.

5-   جعلها تحمل وزر معيشة العائلة بعد ان ساق الرجال في حروب طويلة ومهلكة.

6-   فقدت فرصتها بالعمل الوظيفي لقلة فرص العمل والتنافس الحاد على تلك الفرص، وتفضيل الرجال على النساء فيما متوفر منها.

7-   فقدت النساء فرص الاستمرار في التعليم اذ ان الضغوط الاقتصادية بسبب الحروب والحصاد جعلت العائلة غالباً ما تضحي بفرصة الفتاة في التعليم لتوفر تلك الفرصة للذكور، لذا انتشرت الامية بين النساء انتشاراً واسعاً ومخيفاً، وان هذا الامر بلاشك ولا ريب يؤثر تأثيراً سلبياً على ثقافة وتقدم النشئ الجديد والاجيال القادمة.

8-   حرمت المرأة من حقها بالتنظيم الاجتماعي الحر وفرض عليها الانضمام الى منظمة السلطة ذات التقاليد الاحادية.

9-   زج بالعشرات من النساء في السجون لمختلف الاسباب، وبشكل خاص لاسباب سياسية.

 

        اذا ما علمنا ان النساء في المجتمع اكثر من نصف السكان لادركنا حجم الكارثة الناتجة عن تعطيل ذلك.

 

ما يجب ان نؤمن به

     ابتداءً لابد من الايمان بان اعطاء النساء حقوقهن السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والادبية  ليس منةً  من الذكور على النساء بل هو مسؤولية اجتماعية كبيرة لان ذلك يعني النهوض بالمجتمع من خلال الارتقاء بمستوى النساء،  واطلاق طاقاتهن نحو العمل الخلاق على مختلف الاصعدة.

  وان نؤمن ايمانياً مطلقاً ان اطلاق طاقات النساء والارتقاء بمستواهن يعني ضمان بناء الاجيال القادمة بناءً صحياً سليماً.

وان ندرك اننا اذا انصفنا المرأة سياسياً وثقافياً واقتصادياً واطلقنا طاقاتها لايعني ذلك باننا صححنا المسار الخاطئ في مجتمعنا وثقافتنا وقيمنا فحسب بل اننا بذلك نعيد التوازن الى الميزان المختل.

 

ماهو المتحقق

   شهد وضع المرأة بعد سقوط النظام السابق تحولات مهمة كان من ابرزها:

1-   تخلصت المرأة من القوانين التي حدت من حريتها التي ذكرناها انفاً.

2-   ظهرت الى الوجود عدد كبير من منظمات المجتمع المدني تعنى بشؤون المرأة وحقوقها.

3-   ارتفعت اصوات النساء في مختلف الميادين مطالبة باستعادة حقوقها ومساواتها مع اخوها الرجل.

4-   استطاعت النساء ومنظمات المجتمع المدني وبدعم من مختلف القوى والاحزاب اجبار مجلس الحكم على الغاء قراره المرقم 137 الذي الغى تشريعات مهمة سابقة تصب في مصلحة النساء.

5-   ضمنت النساء مشاركة واسعة بالحكم في الوزارات والدوائر المختلفة واشترط قانون ادارة الدولة ان لايقل عددهن عن 25% في القوائم المتنافسة في انتخابات الجمعية الوطنية وكانت نتيجة الانتخابات ان احتلت المرأة الان 35% من مقاعد الجمعية الوطنية.

6-   تشارك المرأة الآن في لجنة كتابة الدستور وتساهم مساهمة طيبة فيها.

 

الخطوات القادمة

 

    لابد من القول ان اشتراط ان لاتقل نسبة النساء بالجمعية الوطنية عن 25% يخالف التقاليد الديمقراطية التي يجب ان تستند الى الكفاءة بغض النظر عن الجنس، وان هذا الاشتراط باطاره العام مقيد لحرية الناخب.. الا ان لكل قاعدة استثناء، وقد حددت هذه النسبة لضمان انطلاق المرأة الى العمل السياسي بشكل فاعل ومؤثر.

   اننا هنا لسنا في مجال الاعتراض على هذه النسبة لكننا نريد ان تتحول الى كرة ثلج تكبر مع الايام ويكبر معها دور المرأة لاحتلال المواقع السياسية المهمة دون استثناء وان لايبقى اي من تلك المواقع حكراً على الرجال.

   ان البلدان الديمقراطية لا تفرض نسبة معينة للنساء و رغم المساواة في قوانيين تلك البلدان فان نسبهن لم تصل الى ما وصلت اليه في الجمعية الوطنية العراقية الحالية 35%  .

 

 

 استطيع ان اعلن ومن هذا المكان ان الاتجاه السائد داخل اللجنة الدستورية، ومن خلال المسودات المقدمة من اللجان الفرعية الى:

1-   ضمان المساواة للعراقيين بغض النظر عن الجنس و القومية والدين والمذهب.

2-   الحرص على ان تحتل المرأة الموقع اللائق بها وضمان حقوقها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والادبية.

3-   حرص اعضاء اللجنة الدستورية على ابقاء نسبة مشاركة النساء في الجمعية الوطنية مما لايقل عن 25% لدورتين انتخابيتين قادمتين اي ثمانية سنوات اخرى، من اجل تنمية الوعي الديمقراطي خلالها، والتنبيه الى اهمية دور المرأة في مختلف مناحي الحياة.

4-   هناك مطالبة ان يضمن الدستور حق المرأة العراقية المتزوجة من اجنبي بمنح جنسيتها لابناءها اسوة بالرجل.

5-   صدر قرار بمنح زوجات الشهداء اجازة براتب تام لمدة 120 يوماً.

 

ان هذه الخطوات مؤشرات ايجابية كبيرة باتجاه المساواة والعدالة واعادة التوازن الى الميزان المختل .. والتي يجب ان تلحق ببرامج واضحة المعالم من ابرزها:

1-   تدريس مبادئ حقوق الانسان، واتفاقية حقوق المرأة السياسية والثقافية، واتفاقية مناهضة التميز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، وتحريم التعذيب الى غير ذلك من القوانين في المدارس والجامعات والمعاهد العراقية.

2-   تأمين برامج مختلفة وعبر الوسائل جميعها لتمارس المرأة دورها فيها.. من اجل تعبئة النساء حول حقوق المرأة وواجباتها وخاصة من خلال الاغاني، القصائد، القصص، المسرح، الراديو و التلفزيون.

3-   توفير فرص عمل للنساء في مختلف القطاعات.

4-   الحرص على تعليم المرأة ووضع برنامج نشيط لمحو الامية في صفوف النساء.

5-   تأمين مشاركة واسعة للمرأة في الفعاليات و المؤتمرات والندوات المختلفة.

6-   ان ينشأ عبر هذه الخطوات حلف بين الجنسين لضمان تقدم المجتمع، وان يدرك كل من الرجل والمرأة انهما طرفي معادلة متساوية يكمل بعضهما البعض، ويجب المحافظة على التوازن فيها.

7-   ان تكون الضمانات الدستورية كافية لحماية ما نص عليه الدستور من التلاعب او الالتفاف عليه تحت مسميات و ذرائع مختلفة.

 

  ان كل ما تقدم يظل حبراً على ورق ومجرد تصورات وهمية ما لم يتحول الى ممارسة عملية يكون العمل بها عن قناعة تامة.  وان تكون الارادة السياسية للقياديين الداعمين للتغير والمساواة ضمانة داعمة لما يتضمنه الدستور بل ربما تكون تلك الارادة هي الضمانة الحقيقة واكثر اهمية من المواد الدستورية ذاتها.

  واخيرا فانها المرة الاولى التي يكتب بها دستور عراقي بهذه الطريقة من المشاركة السياسية والاعلامية الواسعة ، وتتم المصادقة عليه باستفتاء شعبي عام .

وفي الختام لا يسعني الا ان اسحل شكري وتقديري لكل من اسهم في الاعداد لهذا اللقاء التاريخي المهم  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

© 2017 by Tahir Albakaa

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • LinkedIn Social Icon
  • wikipedia-logo_1
This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now